بوح
قالت وهي تصلح الغطاء على وجهها: منذ زمن أشعر بالحزن0 لقد توقف مرجل الحب في أعماقه، فأخذ ينفر من مواعيدي؛ يتهرب من استقرارنا الموعود0
قالت وقد أصبح وجهها قطعة من السواد: انه يرتكب الأخطاء كل يوم ومع تجاوزي ذلك أخذ ذات يوم يبكي حتى تلاشى، أصبح ذرات حاولت جمعها لكن هبت الرياح ولم أتمكن من جمع سوى بقايا0
السكين
نثر حياته في دواخلها حتى توقف نبضه0 وأدركت أنها خاطئة، انزوت في أحد أركان سطح الدار وأخذت تمزق شرايينها بسكين حاد0
صرخ طفل وهو يرى شيئا أحمر ينداح من مزراب السطح0 ركض الجميع أخذت تتمتم بشيء، التقت نظراتهم في نظرتها المنطفئة وكان بكاء الصمت0
الإسفلت
توقف عند خطوط عبور المشاة لامرأة وثلاثة اطفال0اجتاز الثلاثة الإسفلت وارتقوا الرصيف0
أما هي فقد دهمتها سيارة لا تعرف الانتظار0 ولم يتوقف قائدها حتى صدم عمود الإضاءة، الفجيعة كانت فوق احتماله فتوقف قلبه0
هتاف لحظة مبهمة
تدانت الأشياء حتى لم يعد الحرام بين0 إذ قدر لنا دخول مجلس السيد عبد الباري، الساعة العاشرة صباحا عن لي استشارته في قسم صدر عني في ثورة غضب على زوجتي0
وقفت على باب مكتبه الخاص الذي يحتل جزء من الدور الأول من بناية متعددة الأدوار يحتلها مع أولاده وشقيقته الأرمل الوحيدة0
قرعت الباب وسمعت صوت نسائي يأذن بالدخول0 وجلست في غرفة الاستقبال التي اعرف0
حولي أصوات متناثرة وأنين مكنسة كهرباء0 أخذت أترصدها وهي تقترب خرجت المكنسة وخلفها خادمة هالني جمالها، لم تهتم الخادمة بنظراتي فاستمرت في عملها ولحق بها رجل من ذات جنسها يحمل كيس نفايات تدلى بين يديه تتبعه أخرى سمراء اللون بكيس اصغر حجما0
ـ تفضل
كان صوت امرأة أعرفها 0 وهي تضع على الطاولة أمامي فنجان قهوة وغادرتني، دخل السيد عبد الباري رحب بي ألقى حقيبته الجلدية التي ترافقه في كل مكان، تبادلنا أطراف الحديث وعرف أسباب زيارتي وانتقلنا الى غرفة المكتب التي تعج بالكتب0
ارتفع صوته مناديا
ـ نسيم00نسيم
دخلت الخادمة السمراء
ـ نعم بابا
ـ أنت نسيم
ودخل نسيم
ـ هل أحضرت طلبات البيت
ـ شوي بابا
ـ هل وصلت عمتك للسوق
ـ قالت شوي
فسر السيد مشكلتي وبسط اثر القسم الذي جاء في صيغة حلف ولم يكن يعني المعنى الذي يحمله0 ووصلت متجري فجلست خلف مكتبي أتابع حراك العمل0
ـ ما شأ الله
الصوت هو كانت هي بعد أن رفعت الغطاء عن وجهها
ـ أهلا عمتي
تلفت وجلا ووقفت احتراما لها0 مدت كفها فالتقت كفي بكفها عيناي مطرقتان سرت ابتسامة صغيرة على محياها رفعت بصري وهي تغادرني0
في الحادية عشر ليلا 0 كنت أقف على باب المكتب فتحت خادمة الباب وسبقتني الى غرفة الجلوس0
لم يطل مكوثي كانت هي 0 خالطني انبهار فأخذت أتذكرها كنت في رحلة إلى القاهرة وكانت مطربة شابه
ـ نسرين
ـ نعم
غادرت الدار مع انبثاق شفق الفجر0 ذنب في داخلي منعني من الاقتراب، عرفت أنها الزوجة الثانية وهناك ثالثة وكل واحدة لها حياتها بينما السيد غارق في قضاياه وبين خادماته وسائقه0
صوت السيد في الهاتف يعاتبني على انقطاعي 0 طال الحديث يذكرني بحفل الجماعة الخيرة، طال الحفل كان السيد ضيف الشرف وخرجنا سويا ركبت عربته الفارهة طلبت من السائق إيصالي إلى داري0
ونحن ندخل الشارع الذي اسكن
ـ طلقت نسرين
فاجأني بوحه
ـ من 00من00!
ـ زوجتي الثانية
ـ والأولاد
ـ لم ارزق منها مع إننا متزوجين منذ خمس سنوات
وقفت أتابع العربة وهي تتمدد في الشارع وقد اختفت معالم السيد داخلها0 أخذت أسير على قدمي متجاوزا باب الدار، الهواء البارد لفحني ونظرات أصحاب السيارات ترصدني، وهم في داخلي ينقشع؛ فأفك أزرار ثوبي لأتنفس بهدوء وفي الفضاء يتكون شبح من السحب وصوت اعرفه يغني0
الشــحاذ
تناثرت الرواء فقد حاسة الاستماع ففي داخله فراغ رهيب، جاء من
خليط حلم وزعه بحدب في قصصه التي شمخت بأسماء شخصياتها
المنزوعة من زحام المدينة ونداء نادل المقهى الذي يأتي أليه بجوعه
وينشد عنده الأمن والطمأنينة0
فضاء الصحراء يمتص رغبته في إتقان دوره وهو يلعب الورق لإزجاء الوقت ونسيان سؤال ملح جاء يقتحم السكون الذي اعتاد مع نفوس شرهت وأخرى جاعت 0
- لماذا ترددت في البيع ؟
لم يكن محضرا ذاته للحوار خاصة وأن حوله أفراد لا يجد فيهم ما يقنعه لبدء نقاش يستهل به يوما حيث انتهى يوم آخر0
فكر في تبديل المكان ومعايشة مرحلة جديدة، تذكر أنه كتب رسالة
وثانيه، غير أنه وجد في صندوق بريده نسخا من كتاب طبعه في
بيروت قبل ثلاثة أعوام، ضاعت نسخه التي أرسلها الناشر وهي في الطريق اليه0
لحظة الانتقال لم تتبلور وان كانت أيامه الأخيرة خاليه من الألم،
ارتباطه بالمكان جاء كحاجز من الأسمنت، هناك أوراقه وكتبه موزعه حوله في صمت رهيب0
اليوم أرسل الرسالة الثالثة لكن هل يأتي جواب الموافقة يريد الأمن
الاجتماعي، فقط يراه أمرا ملحا لزوجته التي شاركته لحظة الصفر وقبول باللحظة القائمة، الراهن لم يعد تعنيه هذه اللحظه0
الثانية عشر ليلا دقائق ويتغير التاريخ يأتي الرقم تسعه بعد دقائق
ليوم جديد يبحث عنه، شعر أسامة بالإرهاق تذكر أنه يشحذ الوقت ترك القلم جانبا، تمدد حيث يجلس على الأرض أمام التلفزيون0
أبواب الغرف مغلقه كلهم ينتظرون صوته وماذا جد في انتقاله والى أي نقطه وصل لتحقيق الأمن الذي يبحث عنه الجميع0
شعر بألم خاصرته وفي جانبه الأيسر، أخذت ساقه تتقلص وأصابع قدمه اليسرى تختفي، انه يلتهم أطرافه، الأصوات تصله عبر جدران المنزل الخالي إلا منه0
كان بعد ثلاثة أيام شاخص النظر بجواره قصه لم تكتمل، وصوت قلم يكتب شهادة وفاته، التي كانت في الثانية عشر والدقيقة العشرين في المكان الذي الجميع نزح منه ولم يحتمل مغادرته0
تذكر أن نعيه جاء فيه إن موته بسبب أزمة مفاجئه، وتذكر أن أحد الجيران بعد صلاة العصر وعده بمشتر للدار0
وتذكر أن ناديه الرياضي المفضل ليلة موته هزم في الدقائق الأخيرة من زمن الشوط الثاني للمبارات0 تذكر أن الهاتف منذ غادره الجميع لم يرن0
وأن الرد على رسائله تأخر لأنه لم يدرس طريقة كتابة عرائض الاسترحام، رغم مؤلفاته التي كان يتوسد نسخها عندما حملة اثنان من موظفي الهلال الأحمر على نقالة سيارة الإسعاف التي جاءت لتنقله إلى القبر0













