مجموعة ( الرجل الذي مات وهو ينتظر ) القصصية ج2
كتبهامحمد الشقحاء ، في 14 مارس 2008 الساعة: 19:04 م
الظاهرة
الموت يحاصرني من كل اتجاه عبر الزمان ومن خلال المكان وفيما يدور في حوار الأصدقاء كل مساء حتى في غيابهم0
قشعريرة البرد تسري في جسدي تحرمني من استشعار السعادة الموءودة في تطلعاتي رغم أن الطريق الطويل الذي يأخذني كل يوم إلى العمل إلى المنزل إلى المقهى يمارس الثبات الذي معه أتشبث بالقلق عندما انوي الاتجاه إلى مكان أخر فأستعجل النكوص0
ـ ماذا تبقى من الزمن
ـ الساعة تشير إلى الواحدة والنصف صباحا
ـ يعني التلفزيون قفل
ـ أجل00
ـ يعني وقت النوم حان حتى لا تفوتنا صلاة الفجر
ـ وحتى لا تتأخر عن السابعة والنصف
نهض من مكانه، أخذ يتأملني مازلت متشبثا بلي الشيشة ( المداعة ) الدخان يخرج من طرف اللي مليئا برائحة الجراك المخلوط كما يحلو لصاحب المقهى أن يلعب حسابات الربح المركب0
شعرت أنه يكرهني، هكذا قالت نظراته وضحكته الصفراء0 وتخيلت كل شيء، اتجهنا إلى باب المقهى، كانت عربتنا تقبع وحيدة0
أخذت ابحث عن المفاتيح، كان جيبي خاليا0 شاهدت ضحكة صديقي الصفراء مرة أخرى، عدت أدراجي إلى المقعد الذي كنا نحتله، بحثت بإصرار عن سلسلة المفاتيح وأخذت أبحث عن النادل الذي قدم لنا الطلبات، أخذت اقلب الوجوه حولي لعلي اعثر عليه0
ـ لقد رحل
ـ وكيف
ـ ينتهي عمله بمغادرتك
عدت أدراجي، أيضا شاهدت علامات الكره على وجه صديقي أهملت تفحصه والأسئلة التي أتوقع أن يطرحها، تأملت العربة اتجهت نظراتي إلى مكان تشغيل المحرك ( السويتش ) كانت المفاتيح هناك أشرت اليها0 طوقنا الارتباك درت حول العربة لعلي اعثر على باب مفتوح كما هي العادة، لم ألاحظ سيارة الشرطة الواقفة خلف السياج من الجانب الآخر للطريق0 أخذت اضغط على زجاج الأبواب لعل واحدا منها يهبط0 أسرع صديقي إلى الأرض الفراغ التي بقرب المقهى بحثا عن سلك لنزع أزرار الأمان00كل الجهود ذهبت هباء0 فجأة توقفت سيارة شرطه ترجل منها عنصران اتجها بحذر نحونا0 كان الثالث يراقبنا من داخل السيارة، تشكل الارتباك عرقا ينبثق من اطرافي0
ـ ماذا تفعلان
ـ المفاتيح داخل السيارة
ـ هل تخصكما
كان السؤال مفاجئا، أخذ صديقي يضحك، اتجه إلى سيارة الشرطة، فتح الباب الخلفي وركب، طوقني الاثنان ربطا يدي بالقيد عبثا كنت أحاول قول شيء0 جلست بالقرب من صديقي الذي مازال يضحك0 اخترقت نظراتي زجاج السيارة، كان النادل يقف خلف سور المقهى يراقبنا، التفت إلى صديقي الذي كف عن الضحك مع انطلاقة السيارة فلم اجده0 كان أحد رجال الشرطة مغمض العينين من الإرهاق أما الأخر فكان يتحدث مع السائق0
مقاطع من حياة جرذ
( 1 )
توقف قليلا0 وأجال نظره فيما حوله0 الشارع خال من المارة، لقد رصد كل شيء0
يعرف ذلك مسبقا ثم اتجه إلى الباب المشرع0 ولج المكتبة تجول بين الأرفف قليلا 0 ثم اقترب من موظف المكتبة0
ـ لو سمحت شاكر موجود
ـ من
ـ الأستاذ شاكر00
تأمله الموظف لحظات ثم رفع سماعة الهاتف وطلب رقما داخليا ثم أعاد السماعة0
ـ نعم في مكتبه
خرج بهدوء متمايلا في مشيته0 للمرة العاشرة يقدم على هذه الحركة، وتردده الراصد لمقر النادي الأدبي يملأ داخله بالخيلاء أخذ الطريق يمتلئ بالمارة0
وهو يجتاز بوابة المبنى متجها إلى عربته، لمحه بعض من يعرفه0 أشار لهم بزهو0 ثم امتطى عربته مغادرا0
( 2 )
الساعة تشير إلى السادسة صباحا في يوم منذ عشرين عاما، أخذ الطفل النحيل يجتاز الطريق الترابي متجها إلى مدرسة القرية، والدته تتابعه بنظراتها0 كلما اختفى تلاحقه حتى لا يغيب عن نظرها، تجاوز الخوف بإصراره على أن يصل أول الطلاب حتى يحتل المقعد الأول في فصله0 وهذا يجعله يبكر بالذهاب كل يوم، لمحها احد عمال المزارع الغرباء تتلصص0 لازال الظلام يسيطر على الكون، فأخذ يراقبها حتى عادت0 اعترض طريقها تأملته بثبات فلمحت في عينيه نداء، تلفتت حولها00لا أحد هناك00عادت إلى المنزل تمددت في فراشها متعبة0 أخلدت إلى النوم0
( 3 )
بحثه عن السباق المدرسي في القرية توقف بعد انتقاله لدراسة المرحلة المتوسطة والثانوية في المدينة، وأقام في منزل خاله، فالتقرب من المدرسين والوشاية بالزملاء وسيلة تمنحه درجات التفوق0
روضة ابنة خاله التي تفصلها عنه خمس سنوات تراقب نجاحه المستمر وهو يساعدها في حل واجباتها وشرح دروسها ولم تشعر بأنه بعيدا عنها بفكره وقلبه0 همه تحقيق طموحه ومع ظهور نتائج اختبار الثانوية العامة عاد للقرية مخططا لانتقال أخر0 أخذ يجهز أوراقه للالتحاق بالجامعة في مكة المكرمة ليبرمج معاشه بعيدا0
( 4 )
أستمر في مزاولة التجسس على زملائه في الكلية وأخذ يصنفهم لدى رؤساء الأقسام من خلال مخالطته لهم0
وأصبح أحد أعضاء هيئة التدريس بالكلية لحصوله على الامتياز والمكانة التي كسبها لدى إدارة الجامعة0
فخالطه الزهو0 وتلفت حوله فلم يجد أصدقاء الماضي، وأخذ يكون روابط عمل0 بين وقت وأخر0
( 5 )
عاد إلى روضة، شعر بأنها تشاركه أفكاره ونجاحه0 أخذت تبتسم مدركة الدور الذي يريده لها0 وهي تنتقل من مجتمع محدود التعليم إلى وسط تنوعت فيه المشارب وكثرت عنه الحكايات0
كان يأتي نهاية كل يوم مرهقا0 فتتأمله وهو يتضاءل أمامها0
ـ سوف أكمل دراستي
ـ اين00؟
ـ الجامعة
ـ ماذا
توقف عن النقاش وقدم أوراقها للكلية التي بحاضر بها، وفي قسم أخر منحها فرصة التفوق التي لم تكن بحاجة لها0
واستطاعت أن تحقق دورا قياديا في النشاط الطلابي0 نجاح جديد أصابه بالغرور وهو يلاحق نجاحها، واستقر في ذهنه أن قدرته أكبر
( 6 )
توقف عند فكرة المولود الذي تأخر وهو يداعب أطفال الزملاء0 فكر في الزواج من طالبة يشرف على بحث تعده0
كانت تناقشه بحرارة، شعر بأن سلطانها يتعاظم 0 في صمت تزوجها وكانت الثمرة الأولى ولدا0
( 7 )
روضة لم تتوقف عن مواصلة تحصيلها العلمي
( 8 )
اصطدم بطالب من الكلية يناقش بعض القضايا التي يطرحها في محاضراته في صحيفة يعمل بها محررا0 فوجدها فرصة حيث أن السبق في الحرم الجامعي حرمه المشاركة في الصحف فأخذ يتحدث ويزود الطالب بمقالات تحمل نظرته العلمية ودوره في صياغة محاور جديدة لفكر وثقافة طليعية0
( 9 )
رشح اسمه لعمادة القسم للمرة الثانية توجس الفشل اتصل بروضه يستنجد قررت مساندته وقد أصبحت عضو في مجلس الكلية0 غادر مكتبه اتجه إلى المنزل لم يكن هناك سوى طفله وخادمة سمراء فاجأها مظهره المرهق تناولت غترته وعقاله أدخلته غرفة النوم تمدد بثوبه أحضرت كوب ماء تجرعه0 لم يقاوم قيامها تجريده من ملابسه أحس بخدر لذيذ وهي تدلك جسده العاري تسللت كفه بين ملابسها0
السمكة
تأتين أقدامك عارية يصهرها زفت الطريق بلهبه، أنها الثانية ظهرا في يوم من أيام يوليو، بينما كنت أترقب مجيئك في الثامنة مساء وقد ترطب المكان بندى هبوب نسمة مطر صيف0
ـ ها أنا00
كنت قد حشرت في العربة بقربي، كفي بين يديك تمتص لهب الصيف00تحاول اختراق شرارات الموعد في عينيك0
ـ وبعد00!
همسا قلتها حتى أزيد الموقف التهابا، رغم هدير مكيف العربة وظل الأشجار التي دسست العربة تحتها في حديقة الحي المهجورة0 تطلعت في وغرست اظافرك في ظهر كفي التي استرخت فوق فخذك00 الألم جعل أصابعي تتقلص، تضغط بقسوة على الفخذ الذي تغضن عليه الثوب الفضفاض0
ـ لقد اوجعتني00
تفحصت ظهر الكف حيث أنشبت اظافرك0 ولوحت بها أمام عينيك0 أثار الأظافر بارزة والدم المحتقن في الشقوق يرسم الخالة0
مددت كفك إلى علبة مناديل الورق التي ارتمت عند أقدامنا استلت منها واحدا بللته برضابك أعدتي كفي إلى مكانها ثم مررت المنديل على جرحي 0
عاد الهدوء الي0 شعرت بالانتصار وأنت تعيدين تبلل أطراف المنديل برضابك ثم تمسحين ظهر كفي الراقدة بسلام بين فخذيك0
لحظتي ارتكاز نظرتي، فنزعتي كفي من مكانها وضمها إلى صدرك
ـ أسفه
إحساس عجيب انتابني وأنا أتأمل انكسار ابتسامتها وانصهار لحظة الغضب التي حومة فجأة في هذه الابتسامة الصغيرة، فأخذت الملم الشعر المنسدل بحرية فوق الجبين والأكتاف والظهر0 طول الشعر يغيظني إنما كان هذه المرة لملمسه طعم آخر0
ـ لماذا الصمت دائما يحكم لقاءنا
مرة أخرى كانت المتحدثة0 انبهاري بلحظة اللقاء وخوفي من انكشاف أمرنا لم يمنحاني فرصة الحديث الذي أجده سلسا عبر أسلاك الهاتف بين وقت وآخر0
ـ لقد شدني حديثك الذي يؤسس للأنعتاق من ربقة الخوف00!
يالله تمسك بي من حيث لا أدري، طوقت أناملي خصلة شعر فجذبتها نحوي0 أغلقت جفنيها ووجهي يقترب من وجهها 0تلامست شفاهنا0
تخلت كفاها عن كفي التي عادت إلى مكانها فوق الفخذين مستكينة في اطمئنان0
اقترابها جعل كفي تنحشر بين فخذيها، وبحركة غير معتمدة انفرجت أصابعي تدغدغ ما حولها0 انهارت الأشياء حولي، لم أكن أتوقع أن هذا العبث سوف يولد الاختناق المفاجيء0
تمالكت الموقف، أخذت أراقب الطريق الذي اختفى خلف الأشجار وقطع الضياء التي تخترق الأغصان المتشابكة بوحشية وغلو0
تلمست الصدر الذي يعلو ويهبط00لم أجد النهدين في مكانهما00كان هناك تجويف لا نهائي0 لم أتمكن من استعادة كفي التي أخذت تهوي في العمق السحيق
ـ انك تؤلمني
كانت كفي في مكانها0 شعرت بالارتباك، أخذت أضحك وأنا امرر شفتي على العينين المغمضتين، كنت الوحيد الذي يشعر بالحرية والضياع0
حيث كنت ارفض العادي0 ففقدت إحساسي بكل ما حولي ما عدا أنت حيث كنت التجاوز الذي توافق مع احترافي الهروب وقد تناثرت أطرافنا في الفراغ0
ـ انك تزعجني
كررتها مرة اخرى بحده0 تيبست الكلمات على شفتي، فطوقتها بذراعي واستكانت في حضني كما قطة اليفة تبحث عن الدفء0
أصرت على أن تتسلم المقود00التصقت بي، غيرت بدال الحركة، استقرت قدمها فوق ضاغط الوقود وانسابت ناعمة بين ممرات الحديقة إلى الطريق المؤدي إلى خارج المدينة0 الخوف الذي سكن داخلي انفلت كما حمامة فك إسارها فابتعدت محلقة في الفضاء0
لم يعد للخوف مكان0 وبين حضن الجبال غرب الطائف حيث نسمع هدير العربات المغادرة انشغلنا بفعل، لا يعنينا اختيار كلمات بيانه الختامي0
الفهرس
ـ الرجل الذي مات وهو ينتظر
ـ تقاطع في خانة الآحاد
ـ الظاهرة
ـ مقاطع من حياة جرذ
ـ السمكة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتب | السمات:كتب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























