كم هي الكرة الأرضية صغيرة
كتبهامحمد الشقحاء ، في 23 يوليو 2009 الساعة: 15:04 م
كم هي الكرة الأرضية صغيرة
وأنا افقد كل شيء جاء سفري بدون تخطيط انسياقا مع الحركة التشاؤمية التي غمرتني ذات لحظة ففي أعماقي ( بندول متّأرجح مابين البنى الاجتماعية المتشيئة والمغتربة ) برغم من نضج الوعي الذي معه: أقوم بخلق اّلأداة اللازمة للتغير وفق قدرات وطاقات تبني الفرص من اجل تفعيل جزء مقاوم في داخلي؛ مرافقا لأخ زوجتي السابقة، في زيارة لشقيق زوجتي ووالدته التي تراجع مستشفى في لندن0
لم اهتم بتوديع ابني مازن ذي السنوات الأربع فقد كنت في مهمة عمل لمدة ثلاثة أسابيع، دورة في برنامج تدريبي في احدى الجامعات البريطانية بالتنسيق مع معهد للغات وتطوير البرامج رشحني له مدير الإدارة التي اعمل بها رئيسا لقسم مالي0
كانت الرحلة والحجوزات تسير سلسة مما أغراني من خلال مكتب السفريات حجز مقعدا للسفر إلى القاهرة في طريق العودة للوطن، بعد أيام ثلاثة من انتهاء البرنامج كنت في القاهرة ابحث مع سائق سيارة أجره خطفني من المطار عن سكن تتوفر فيه الخدمات السياحية وقد نسيت اسم فندق تردد كثيرا في أحاديث المقهى بين الأصدقاء0
أمام مغريات السائق وتحقيقا لجزء من مطالبي التي كشفها تبادلنا للحديث أثناء الطريق وإنها زيارتي الأولى0 كسب ثقتي كعلاج مثلي وفق توازن بين القدرة على التدمير الذاتي والصمود المذهل على إنجاب خاصية الرفض، كانت الشقة التي ادخلها معده لزائر مترف بغرفتيها وصالتها ومطبخها، وعبر موقف أحفظ عينيك وكل الجميع لي: تدخل المشرفة على بعض شقق العمارة للترحيب وعرض خدماتها0
في اليوم الثاني أعدت الحياة لهاتفي الجوال ووجدت عدد من الرسائل من الأصدقاء وزملاء العمل، لم اهتم بها فأنا لم أفق من لحظة غياب ذهني خلقته المشرفة على الشقة فقد شعرت أن ثمة شيئا ما ليس على ما يرام في صمتي وتصرفت من هذا المنطلق، هنا وجدتني سائح لدن تجرب فيه صنوف الضياع الذي يبحث عنه0
كانت نبيلة كريمة في معرفة عوالم القاهرة وليلها السري الذي تشكل مع زجاجة مشروب معتقة من خمارة تنتصب في طرف الشارع بضوئها الخافت المائل للحمرة وروادها المحدودين وتقدير امرأة على أنها غير ذكية، في حين أنها تتميز بالذكاء في ضوء حاجات مجتمعها وخصائصه، وأخرى طرقت الباب تخزن لفائف الحشيش في صدرها الذي لم تهتم بعريه وهي ترقص0
جاء اتصال عارف النائب الإداري للمدير العام يخبرني ان احد الزملاء في القاهرة لزيارة عائلية تعرض لوعكة صحية وهو بحاجة إلى مساعدة ليقوم المستشفى المرقد فيه بإكمال الفحوصات، ولما ورد اسم الزميل لم أجده في دائرة المعروفين0
وأنا اركض كمشروع تحرر من القيود بحثا عن المعرفة فتحه لي الوجود الباطن بحثا عن الجوهر متجاوزا دهشتي وتفاصيلها المتخيلة، في ممرات المستشفى باحثا عن موظف العلاقات العامة، جاء صوت إحدى العاملات لنجدتي فأخذتني إلى غرفة المريض، كل شيء فيه يوحي بأنه تجاوز لحظة الأمان في إرهاق جسده0
رحب بي عندما قدمت نفسي له وعرفت انه وصل القاهرة منذ شهر لزيارة ابنته وقضاء إجازته الرسمية مع زوجته وطفليه وأخته وزوجها، لتدخل فتاة في الرابعة عشر من العمر ترتدي سروال جنز وقميص ولادي مزركش بشعر قصير وصدر ناهد
أشار نحوها وقال: ابنتي ثريا
قلت: أهلا
قالت: ( بلكنة مصريه ) حياك الله
قال: ثريا مع أمها زوجتي السابقة
قلت: مصرية
قال: نعم إعلامية معروفة تعمل في التلفزيون مذيعة أخبار
وفتح باب الغرفة ليدخل رجل وامرأتين
قال: يوسف زوج أختي وهذه أختي سارة وهذه زوجتي أعرفكم بضيفي زميل في العمل
قلت: فاضل عرب
تبادلنا الحديث وزودتهم بعنواني ورقم هاتفي وقررت الخروج معه طلب مني إيصال ابنته لسكن امها0
في سيارة الأجرة جلست بقربي في المقعد الخلفي، ران الصمت أولا ثم انبثق عن حياتها وعلاقتها بوالدها وعرفت ان الجميع سوف يغادرون بسبب انتهاء أيام الإجازة ومرور أسبوع على انتهاء مدة استئجار الشقة لم تتوفر فيه السيولة المالية لتسديد أجرة المستشفى0
كانت ثريا تتحدث وكفيها تقبع بين فخذيها ( كل ما كان للعبد كسبا فالحق تعالى قائم به لا العبد، ولكن فيه ظلمة المكسب فأفهم ) رمقتني وأنا اختلس النظر فقامت بمد كفها اليسرى وربتت على فخذي، قمت بوضع كفي اليمنى على كفها فالشوق يسكن باللقاء والرؤية والاشتياق لا يزول باللقاء0
قالت: أين تقيم
قلت: في شارع القناة
قالت للسائق: اتجه إلى القناة
قالت: رقم العمارة كام
قلت: لا أذكر
قالت: ولونها
وإذا بنا نحاذي العمارة التي عرفتها من خلال الحديقة المقابلة لها، ترجلنا ودخلنا لنجد المشرفة تقوم بأعمال النظافة، رمقتنا بقلق وتوتر تبسمت ثريا واقتربت منها لتساعدها في نقل بقايا سهرة كل ما أتذكره فيها أول كأس وخيال راقصة لم تجد من يصفق لها ودخان يتعالى معه كل شيء اختفى0
كانت ثريا تدس قارورة المشرب بما تبقى منها في الثلاجة، وصفير غلاية الماء يرتفع لتقوم نبيلة بصنع كوبين من الشاي قدمتها لنا مع بسكويت وفستق ومكسرات مملحة0
رن الهاتف الجوال كان عارف يستطلع الأخبار، شرحت كل شيء وأنا ادقق النظر في تقاسيم وجه ثريا وذلك الحريق الجاف في العينيين؛ ونبيلة صاحبت الابتسامة المدهشة تلوح بيدها مغادرة، عرفت ان علي مساعدته في حل مشاكل الزميل المالية والصحية وتأكيد حجز عودته مع أسرته وتسديد فروق الحجز بسبب التأخر في السفر0
قالت: هاه ممكن
قلت: نعم
قالت: ( وفي نظرها ومضات تحد ) تحل مشاكل والدي
قلت: نعم
هنا وبشكل مفاجئ قفزت من مكانها لتقبع في حضني تزرع قبلاتها على خدي وجبيني، لجمتني المفاجأة وتزايد نبض قلبي وتصبب عرقي ولما استكان رأسها على صدري؛ أخذت أتأمل اللحظة مررت أصابعي على ظهرها لينبعث من شفتيها تأوه أكثره بكاء: ثم غرزتها في شعر رأسها0
قلت: هيا أوصلك للمنزل
قامت بتكاسل وسارت أمامي، عرفت منها أين يقيم والدها وزوجته وهي تغادر العربة دسست في كفها بعض النقود رفضتها وأمام إصراري أخذتها حتى تتمكن من زيارة والدها ومقابلتي، زودت السائق بالعنوان وهناك وجدت الزوجة والأخت والأطفال0
عرفت تكاليف العلاج ومتأخر إيجار الشقة وموعد الحجز للسفر، واقترحت وأنا اكتشف توتر الأخت كمن تشاجر للتو مع آخر ( فتخيلتها مثل أناس يسبحون خارجين من سفينة غارقة ) أن عليهم الانتقال من شقتهم إلى إحدى شقق العمارة التي اسكن، حتى أتابع سفرهم عن قرب ولما هممت بالمغادرة كانت الأخت ترافقني للمصعد0
قالت: أقسم لك انه في وسعك الاعتذار
قلت: لا أجرؤ !
قالت: هذه حماقة00لماذا أقلقك بكل هذا
قلت: هذا ما يبدو لك في هذه اللحظة
ابتسامتها حارة وجنتاها تتوردان في نظرها عذوبة ( قسماتها قسمات زنجية ) والضيق يغمرها، كانت تسمع صوتها وقد وجدت نفسها وحيدة، كم أنها سهلة تلك الانبثاقة الجميلة الفارغة من التصنع الكريه والخبث الذي يخدع صاحبه0
قالت: أجل 00كنت بغيضة أعتذر
قلت: ستجعلينني أشمئز من نفسي
قالت: تعرف ما عليك أن تفعل الآن
وهنا نتصرف بتهذيب مع شخص ( وان اخذ في النفس أمر ما كالصورة فنعدم الكلام إلى المجرد عن المادة الذي هو الأصل فلابد وأن تبقى ) ما حتى تنتابه حالة انعدام؛ دعوتها للعشاء فلم تمانع أصبت بنوع مقلق من النرجسية والانبهار بذاتها وتفوقها وفي الوقت ذاته فقدت الإحساس بالمكان والقدرة على فهم واستيعاب موقفها، تصرفها غير المتماسك ناجما عن روح غنية معقدة0
لقد سقطت خارج إطار الزمن وقد خلا عقلي من تيار الحذر فما حدث قطرات جاء أثرها في اكتشاف ما حصل في الماضي0 الروائح هنا ليست نسائم الطائف التي يصعب تحديدها فقد تحولت الشقة إلى فردوس من العطر الشذى، كان باب غرفة النوم يفتح واطل وجه نبيلة المبتسم والزاخر بالقوة المنعشة المانحة للحياة0
زرت الزميل في المستشفى أخبرت الطبيب بموعد سفره فلم يمانع وان نصح ببقائه في المستشفى حتى موعد المغادرة، رتبت السفر للجميع غير ان زوج الأخت كان على عجلة فقد عاد قبل الجميع؛ معه انتقلت الأسرة إلى شقة في العمارة التي أقيم بها وأمنت لهم سيارة أجره تقلهم لزيارة مريضهم والتسوق للسفر0
في صالة السفر بالمطار تحول المسافرين إلى سلعة وفق تغير حالة الأشياء فخلعت عليها خواص سحرية تقلب الممارسات ذات الصلة رأسا على عقب، وهنا جاء النداء لدخول الطائرة فتحرك الجميع وبقيت منتظرا إغلاق باب الطائرة لأتنبه على صوت أنثوي
قالت: الأستاذ مسافر
قلت: ( وقد غبت عن الواقع ) نعم
قالت: ورحلتك
قلت: لقد نمت جيدا
تركتها معلقة السؤال التالي وغادرت المطار في سيارة أجره لم ينبس قائدها بجملة فأدركت انه احترم انكساري وذلك المطر الخفيف يتسرب إلى أعماقي فأهمهم ( اعرف جيدا أنه لا يمكن لأحد أن يربح أبدا ) ليصلني صوته لتحديد هدفي، نبيلة بجسدها الممتلئ ووجهها الباش احترما صمتي وفق معايير وقيم اكتنزتها لمواجهة التصرف الفعلي، أعدت العشاء وفي ساعة مغادرتها خرجت بصمت0
قدمت عند عودتي مستندات مصروفات أسرة الزميل للنائب الإداري الذي ثمن موقفي، وأنا أستأذن للعودة لمكتبي
قال: هل قابلت زوج أخت زميلنا
قلت: لمرة واحدة في المستشفى
قال: وجدت شرطة المطار في حقيبته حشيش
قلت: كيف
قال: نعم كيف وهو الآن في السجن
غادرت الغرفة مهمهما هذا حقا يوم من تلك الأيام التي يرتكب فيها الحماقات، ليرن هاتف مكتبي على صوت لم أميزه
قال: الأخ فاضل
قلت: نعم
قال: سلامات متى عدت
قلت: منذ شهر
قال: الم تعرفني
قلت: أسف 00انما أتشرف بمعرفتك
قال: زميلك يحي
قلت: يحي من
قال: مريض القاهرة
تواردت الخواطر اعرف انني انهزمت، لا جدوى من المقاومة فظلها المتبقي ضئيل للغاية ولا يترك لي أملا في خوض المعركة للنهاية0
قال: أنا في المبنى انتظرني
وصلتني رائحته وهو يسأل السكرتير إذن الدخول؛ ليطل بجسده المعروق ووجهه الحليق وبدلا من أن تلتقي كفينا احتضنني مرددا عبارات الشكر والامتنان وفق لعب الأدوار بعيدا عن الاستنباط المنطقي ضمن منظور التفاعلية التي تناسب الموقف0
قال: متى تشرفنا
قلت: أين
قال: بالمنزل
قلت: حسب الظروف
قال: في نهاية الأسبوع عندنا مناسبة عائلية
قلت: والمطلوب
قال: بعض من الزملاء وأفراد الأسرة انتظر حضورك برفقة ابن العم عارف
تتقاذفني الرغبات الجامحة في الصراخ كان الطفل الذي تأخر دخوله المكتب بسبب مرافقته للسائق ابني مازن فيحي زوج أمه وهي في السيارة تنتظر ؛ التصدع تشكل فالذات ترفض أن تموت وان تخلقت في أعماقي جوانب خاطئة كرد عن فعل قام0&
17 / 12 / 1429 هـ
v
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيره | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























